وفي إطار استمرار الإصلاحات القضائية وتماشيًا مع رؤية 2030، أصدرت المملكة العربية السعودية نظام الإثبات في 2 يناير 2022، ونُشر في الجريدة الرسمية في 7 يناير 2022. وقد دخل النظام حيّز النفاذ في 7 يوليو 2022.
في جوهره، يُعدّ نظام الإثبات (النظام) نظامًا شاملاً يُحكم إجراءات وآليات التعامل مع مسائل الإثبات. ويشمل النظام الأدلة المكتوبة والأدلة الرقمية أو الإلكترونية والإقرارات واليمين وشهادة الشهود والمعاينة وتقارير الخبراء. كما يفرض النظام غرامات على التقصير والإخلال ومحاولات التزوير أو إثارة اتهامات كاذبة، ويُخوّل الأطراف المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، فضلًا عن إتاحة الإجراءات الجزائية بشأن التزوير وتزييف الأدلة.
ويلغي النظام جميع الأحكام المتعلقة بالإثبات الواردة في نظام المرافعات الشرعية (58 مادة) ونظام المحاكم التجارية (19 مادة). وقد احتفظ النظام ببعض الأحكام المتاحة في النظامين سالفي الذكر؛ غير أنه طرأت تغييرات جذرية على وسائل وآليات التعامل مع الأدلة في ضوء التطور المستمر في المجالات المدنية والتجارية.
تُبرز هذه المقالة أبرز الأحكام والتغييرات في النظام.
أحكام عامة
أولًا وقبل كل شيء، ينطلق النظام من مبدأ أن على المدعي إثبات حقه، وأن للمدعى عليه حق إنكاره، بما يُكرّر المبدأ العام القاضي بأن عبء الإثبات يقع على المدعي.
وينصّ النظام على أن تُقبل فقط الأدلة المرتبطة بمسائل موضوع الدعوى، ويمنع النظام صراحةً القضاة من الفصل في القضايا بناءً على علمهم الشخصي.
مستندًا إلى مبدأ حرية إرادة الأطراف في التحكيم، يلزم النظام المحاكم بمراعاة أي اتفاق بين الأطراف بشأن مسائل الإثبات، شريطة أن يكون الاتفاق مكتوبًا، وهو حكم لم يكن متاحًا سابقًا في أنظمة المرافعات. وبالمثل، يُلزم المحاكم بتطبيق نتائج الخبير كاملة إذا كان الأطراف قد اتفقوا على ذلك قبل رفع الدعوى.
ويجيز النظام للمحكمة رفض نتيجة أي إجراء إثباتي كليًا أو جزئيًا، شريطة أن تُبين أسباب الرفض في الحكم.
ويمكّن النظام المحاكم من اعتبار إجراءات الإثبات التي تُتخذ خارج المملكة العربية السعودية ما دامت لا تُخالف النظام العام.
الإقرارات
لا يُعدّ الإقرار قضائيًا إلا إذا أقرّ الطرف أمام المحكمة أثناء جلسات الدعوى موضوع النزاع، ويُعامل على أنه حجة قاطعة. وإذا وقع الإقرار خارج المحكمة أو أثناء جلسات أخرى، فلا يُعامل على أنه إقرار قضائي. ولا يُقبل الإقرار إلا إذا كان للطرف أهلية كاملة، ويجوز أن يكون صريحًا أو ضمنًا وشفهيًا أو مكتوبًا. ويُعامل الإقرار الذي لا يُقبل كإقرار قضائي على أنه شهادة ويُقبل وفقًا لأحكام الشهادة.
الاستجواب
إلى جانب استجواب المحكمة لأحد الأطراف من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الطرف الآخر، يجوز لأطراف النزاع استجواب بعضهم البعض مباشرة، وهو حكم لم يكن متاحًا في نظام المرافعات الشرعية، رغم أن أطراف الدعاوى التجارية كانوا يستطيعون الاستجواب مباشرة تحت إشراف القاضي.
يُلزم الأطراف بالإجابة في الجلسة ذاتها ما لم تمنحهم المحكمة مهلة للإجابة. ويجوز لأي طرف الاعتراض على سؤال يُوجّه إليه، على أن يُبدي أسباب اعتراضه. وقد لا تسمح المحكمة بالأسئلة إذا لم تكن مرتبطة بالقضية أو رُئيت غير مفيدة فيها أو لأي سبب وجيه آخر، وهو حكم لم يكن منصوصًا عليه في الأنظمة السابقة.
وينصّ النظام على أن من تُستدعيه المحكمة للاستجواب يكون ملزمًا بالحضور والإجابة عن الأسئلة في الجلسة المحددة، وإذا تغيّب عن الإجابة دون عذر مقبول أو امتنع عن الإجابة، جاز للمحكمة أن تستنتج ما تراه مناسبًا وتعتبر شهادة الشهود وأدلة أخرى لا تُقبل عادةً في تلك المسائل.
الأدلة المكتوبة
يُحدّد النظام بمزيد من التفصيل كيفية التعامل مع الأدلة المكتوبة وما يُعدّ وثيقة رسمية وما يُعدّ وثيقة غير رسمية، وصلاحيتها وأهميتها ووسائل الطعن المتاحة للأطراف.
تُعدّ الوثيقة الرسمية دليلًا كاملًا على الغرض الذي قُدمت من أجله ما دامت أُعدّت من الجهة المختصة أو المُخوّلة بذلك. وخلافًا لنظام المرافعات الشرعية الذي يشترط على الأقل صورة طبق الأصل مصدّقة من الوثيقة الرسمية لقبولها كدليل مكتوب، يجيز النظام الجديد صورة من الوثيقة الرسمية عند تعذّر الأصل ما دامت لا شك في مطابقتها للأصل.
وينصّ النظام على أن تُعدّ الوثيقة المكتوبة صادرة عن صاحبها ما لم ينكر الكتابة أو التوقيع أو الختم الوارد فيها. ولا تُسمع الاعتراضات على صحة أو أصالة الوثيقة غير الرسمية إذا كان الطرف المعترض قد ناقش الموضوع الوارد في الوثيقة سابقًا.
وينصّ النظام على أن السجلات أو الدفاتر الرسمية التي يلتزم التاجر نظامًا بمسكها لا تُعدّ دليلًا ضد غير التجار. غير أنه يجوز للتاجر الذي يمسكها تقديم ذلك السجل كدليل ضد تاجر آخر، وتسقط حجيته كدليل إذا أُثبت خلاف ذلك بأدلة أخرى بما في ذلك السجل الرسمي للتاجر الخصم.
يجوز لأي طرف في نزاع تجاري أن يطلب من المحكمة إلزام الخصم بتقديم دليل مكتوب في حوزته في الحالات التي أُبرمت فيها الوثيقة مشتركة أو إذا كان الخصم قد استند إليها في أي مرحلة من مراحل الدعوى. غير أن الدليل المكتوب الذي يُطلب تقديمه يجب ألا يكون محميًا بالسرية بموجب اتفاق بين الأطراف أو أن الوصول إليه لا يؤدي إلى انتهاك حق الطرف في السرية أو الأسرار التجارية أو الحقوق ذات الصلة.
وضع النظام أحكامًا تفصيلية للتعامل مع الطعون في صحة الوثائق المكتوبة بما في ذلك ادعاءات التلفيق والتزوير. وفرض عقوبات في كلتا الحالتين، فضلًا عن إتاحة الملاحقة الجزائية والتعويض للأطراف الناشئ عن تقديم وثائق كاذبة كأدلة، وعقوبات على إثارة اتهام التزوير (إذا ثبت خطؤه).
الأدلة الرقمية
من أهم أبواب النظام معاملة «الأدلة الرقمية» كأدلة مكتوبة. وقد أُدرج هذا الحكم بإيجاز في نظام المحاكم التجارية، بينما افتقر إليه نظام المرافعات. ويشمل النظام ضمن تصنيف الأدلة الرقمية السجلات الرقمية والوثائق الرقمية والتوقيعات الرقمية وجميع الاتصالات الرقمية أو الإلكترونية بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني. وتُعامل جميعها كأدلة مكتوبة بالكيفية التي ينصّ عليها النظام لهذا النوع من الأدلة.
يتحمّل الطرف الذي يطعن في صحة الوثيقة الرقمية عبء إثبات دعواه بالكيفية ذاتها المنصوص عليها لغيرها من الأدلة المكتوبة.
شهادة الشهود
من أبرز سمات النظام تقييد شهادة الشهود بالتصرفات التي تقل عن مائة ألف ريال سعودي. وبالنسبة للتصرفات التي تزيد على مائة ألف ريال سعودي أو التي لم يُحدّد فيها المبلغ، تُلزم المحاكم بتقديم دليل مكتوب في حال عدم وجود اتفاق بين الأطراف في هذا الشأن. وسيُقلّل هذا الحكم بشكل كبير من حالات المطالبات الكاذبة والمطالبات التي تفتقر إلى أدلة قوية.
حتى في الحالات التي لا يتجاوز فيها مبلغ التصرف مائة ألف ريال سعودي، لا تُقبل شهادة الشهود إذا اشترط النظام أن يكون الدليل مكتوبًا أو إذا كانت الشهادة متعارضة مع ما ورد في الأدلة المكتوبة أو تتجاوزه، بما يُقلّل من وزن شهادة الشهود.
واستثناءً، يجيز النظام شهادة الشهود في الحالات التي فقد فيها المدعي الدليل المكتوب لسبب لا يعود إليه أو حيث أُثبت أساس الدعوى الرئيسي بدليل مكتوب.
ويُقيّد النظام شهادة من له مصلحة أو منفعة من الدعوى، وكذلك شهادة الوالدين أو الأجداد لأبنائهم أو أحفادهم والعكس، وشهادة الزوجة للزوج والعكس.
ويضع النظام إجراءات ومتطلبات لتقديم الأطراف للشهود. وبالمثل مع حكم السماح لأحد الأطراف باستجواب الطرف الآخر، يجيز للأطراف توجيه أسئلة إلى الشاهد أو استجوابه، ويجوز للطرف الآخر الاعتراض على سؤال شريطة إبداء أسباب الاعتراض. ويجوز للشاهد الامتناع عن الإجابة عن سؤال، على أن يُبدي أسباب امتناعه.
العرف والأعراف
يُعدّ العرف والأعراف بين الأطراف أدلة صحيحة ما لم يكن هناك اتفاق بينهما على خلاف ذلك أو كان مخالفًا للنظام العام. وينصّ النظام على أنه عند التعارض، يسود العرف والممارسة بين الأطراف على العرف العام.
اليمين
يتناول النظام بالتفصيل قواعد أداء اليمين وإجرائها. وفي حين ينصّ على أن يمين المدعى عليه لنفي الدعوى تُعامل كيمين حاسمة، يجوز للمدعي الاعتراض عليها. غير أن يمين المدعي تُعدّ تكميلية لإكمال الأدلة التي قدّمها المدعي ولا يجوز للمدعى عليه الاعتراض عليها. ويجب أن يكون للقائم باليمين أهلية التصرف في الموضوع الذي يُؤدّي فيه اليمين، ولا يجوز له تفويض غيره لأداء اليمين عنه. ويجوز للمحكمة رفض اليمين إذا لم تكن مرتبطة بالقضية أو رُئيت غير مفيدة أو غير مقبولة.
إذا لم يتمكن المدعي من تقديم أدلة مكتوبة أو غيرها لإثبات دعواه، جاز له أن يطلب من المدعى عليه أن يحلف، وإذا امتنع المدعى عليه عن الحلف، جاز للمدعي أن يحلف، وإذا امتنع هو أيضًا، تُرفض الدعوى من المحكمة. ويجوز للمدعي التراجع عن الأدلة المقدمة إلى المحكمة وطلب يمين المدعى عليه بدلًا منها.
وعكسًا لذلك، يجوز للمدعي الذي طلب اليمين قبل تقديم الأدلة أن ينسحب من طلبه ويستبدله بالأدلة بعد إخطار المحكمة بذلك. وينصّ النظام على أنه يجوز لأي طرف المطالبة بالتعويض إذا حكمت محكمة جزائية بأن الطرف الآخر كذب أثناء أداء اليمين، كما يجوز له الطعن في الحكم الصادر على أساس ذلك اليمين الذي تضمّن عنصر كذب كما أكّدته المحكمة الجزائية.
المعاينة
يجوز للمحكمة، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد الأطراف، أن تقرّر إجراء معاينة بإخطار الأطراف قبل 24 ساعة على الأقل، وقد تعيّن خبيرًا لمساعدتها أو تستمع إلى أي شاهد تراه مناسبًا.
الخبراء
ينصّ النظام بالتفصيل على متطلبات وإجراءات تعيين الخبراء لمراجعة المسائل الفنية المحيطة بالقضية، فضلًا عن التزامات الخبير والخصوم.
يجوز للمحكمة، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد الأطراف، أن تعيّن خبيرًا أو عدة خبراء لإبداء رأيهم في المسائل الفنية المتعلقة بالنزاع. ويُحدّد النظام بالتفصيل مسؤوليات وصلاحيات الخبير المعيّن والجداول الزمنية وأسباب عزله وحقوق الأطراف في طلب توضيحات من الخبير. كما يفرض غرامات لا تتجاوز عشرة آلاف ريال سعودي على الخصم الذي تسبب في تأخير تقديم تقرير الخبير، وغرامة مماثلة على الخبير إذا تأخر في تقديم التقرير خلال 15 يومًا من التاريخ المحدد لإنجاز المهمة.
في حال اتفاق الأطراف على اختيار الخبير، تُصدّق المحكمة على ذلك. وبالمثل، إذا اتفق الأطراف (قبل رفع الدعوى)، تكون المحاكم ملزمة بتطبيق النتائج أو الاستنتاجات التي يقدّمها الخبراء في الحكم على القضية ما دامت لا تُخالف النظام العام، وهي حرية للأطراف لم تكن متاحة سابقًا.
غير أنه في جميع الحالات الأخرى، لا تكون المحاكم ملزمة بقبول استنتاجات الخبير. ومع ذلك، تُلزم المحاكم ببيان سبب عدم قبول بعض أو كل استنتاجات الخبراء في أحكامها، وهو حكم غير موجود في أي من أنظمة المرافعات. ويجوز للمحكمة أيضًا الاستناد إلى تقرير خبير مقدّم في دعوى أخرى، دون الإخلال بحق الخصوم في المناقشة وإبداء الاعتراضات.
الخاتمة
باختصار، يُوضّح النظام تطبيق إجراءات الإثبات ويُمكّن الأطراف من تحديد أنواع الأدلة التي ستقدّمها أمام المحكمة والدفوع المتاحة لهم مسبقًا. كما يتيح للأطراف الاتفاق مسبقًا على إجراءات الإثبات، فضلًا عن حريتهم في الاتفاق على اعتبار تقرير الخبير ملزمًا، وتكون المحاكم ملزمة بإصدار الأحكام على أساس تلك التقارير.
الغزاوي ومشاركوه